احمد احمد بدوي
49
من بلاغة القرآن
الفصل الأول ألفاظ القرآن البلاغة والنظم : لا تفضل الكلمة صاحبتها منفردة في قاموس اللغة ، من حيث دلالة كل على معناه ، فكلمة قال ، لا تفضل تكلم ، وكلمة رجل ، لا ميزة لها على أسد ، اللهم إلا من ناحية أن بعض الكلمات أسهل جريا على اللسان من بعض ، وأخف نطقا ، فتجد مثلا كلمة النفس أسلس من كلمة الجرشى ، وكلمة مرتفعات أسلس من كلمة مستشزرات ، وإلا من ناحية كثرة استعمال بعضها وغرابة البعض الآخر ، فإذا ما نظمت الكلمة في جملة ، صارت دالة على نصيبها من المعنى ، وصار من حقنا أن نسأل : لم اختيرت هذه الكلمة دون تلك ، ولم آثرنا صيغة على أخرى ؟ وإن الأسلوب قد يروعك ويبهرك ، فإذا أخذت مفرداته كل مفرد على حدة ، فقد لا تجد فيه كبير روعة ، ولا قوة أسر ، ولكن عندما انتظمت هذه المفردات في سلك فلاءمت ما قبلها ، وارتبطت بما بعدها ، واكتسبت جمالا وجلالا ، وإن شئت فانظر قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( هود 44 ) . فإنك إذا أخذت كل كلمة على حدتها ، من غير نظر إلى ما قامت به من أداء حظها المقسوم لها في معنى الجملة كلها ، فقد لا تجد لها من التأثير ما تجده لها ، وهي بين أخواتها تؤدى معناها . وهنا يحق لنا أن نسأل عن فضل الكلمة في موضعها ، ونتبين جمال اختيارها ، وندرك ما لها من الميزة على صاحبتها ، وإذا سلكنا هذا المسلك في الآية الكريمة رأينا الآية تصور ما حدث بعد الطوفان ، من ابتلاع الأرض ماءها ، ونقاء السماء بعد أن كانت تغطي بسحبها ، واستواء السفينة على الجودى ، وقد طهرت الأرض من رجس المشركين ، فصور اللّه ذلك تصويرا حسيّا ، يؤكد في نفسك استجابة هذه الطبيعة العظيمة وخضوعها لأمر اللّه ، فهذا المطر المدرار